عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

131

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

وعن علي بن أحمد ، قال : كان الأسود بن كلثوم يخرج إلى المقابر إذا هدأت العيون ، فيقول . يا أهل الغربة والتربة ، يا أهل الوحدة والبلى . ثم يبكي حتى يكاد يطلع الفجر ، ثم يرجع إلى أهله . وعن ثابت البناني ، قال : دخلت المقابر ، فقلت : يا أهل القبور ؛ فلم يجبني أحد . ثم قلت : يا أهل القبور ؛ فلم يجبني أحد . ثم أجاب عقلي : نحن مثلك ، كنا وأنت ، وكما نحن تكون . قال ابن أبي الدنيا : وحدثنا إبراهيم بن سيّار ، قال : قيل لبعض الحكماء العرب : ما أبلغ العظات ؟ قال : النظر إلى محلة الأموات . ويروى نحو هذا الكلام عن عمر بإسناد ضعيف . وكان العمري الزاهد يلازم المقابر ، ومعه كتاب لا يفارقه ، فقيل له في ذلك . قال : ما شيء أوعظ من قبر ، ولا آنس من كتاب ، ولا أسلم من الوحدة . وقال أبو محرز الطفاوي : كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن محمد بن صالح التمار ، قال : كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام ، فمرّ بي ، فاتبعته ذات يوم ، وقلت : واللّه لأنظرن ما يصنع . قال : واللّه ، فرفع رأسه وجلس إلى قبر منها ، فلم يزل يبكي حتى رحمته . قال : ظننت أنه قبر بعض أهله . قال : فمرّ بي ، فاتبعته ، فقعد إلى جنب قبر غيره ، فقال مثل ذلك . قال : فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر ، وقلت : إني قلبه ظننته أنه قبر بعض أهله . وقال محمد : كلهم أهله وإخوانه ، إنما هو رجل يحرّك قلبه بذكر الأموات كلّما عرضت له قسوة . ثم جعل محمد بن المنكدر يمرّ بي فيأتي البقيع ، فسلّمت عليه ذات يوم ، فقال : ما يقنعك موعظة صفوان ؟ قال : فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها . وعن مطرف الهذلي ، قال : كانت عجوز متعبّدة في عبد القيس ، فعوتبت في كثرة إتيانها ، فقالت : إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى ، وإنّي لآتي القبور وكأني أنظر إليهم قد خرجوا من بين أطباقها ، وكأني انظر إلى تلك الوجوه المعفرة ، وإلى تلك الأجسام البالية المقفرة ، وإلى تلك الأكفان الدلسة ، فيا له من منظر . ولأبي العتاهية « 1 » : إني سألت التّراب ما فعلت بعدي * بجسد وقع فيه الدود متعفّرة فأجابني صيّرت ريحهم * يؤذيك بعد روائح عطرة

--> ( 1 ) الأبيات في كتاب « القبور » ( ص 90 - 91 ) ( رقم : 87 ) .